فوضى صوت

•ديسمبر 12, 2009 • تعليق واحد

مع صرخته الأولى ولد معه الظلام ورافقه في كل ألعابه مع أصدقائه الآخرين ودخل معه المدرسة بكل صفوفها وانتقل معه إيضاً إلى مسكنه الجديد في المدينة التي تستقبل في جامعاتها المكفوفين وكل من ولد مع ألم في روحه.

يعيش مع صيق آخر وظلامه, كانوا أربعة في غرفة لم يعمل فيه المصباح أبدأ.

طبعت كتبه نقشاً , وكانت دفاتره مناسبة لظلامه وكذلك قلمه الذي بدا أشبه بالدبوس منه إلى قلم .

لم يكن يكلّفه الخروج من الغرفة سوى تدوير المقبض إلى اليسار فيكون  بعشرين درجة وسبعين خطوة أمام المكتبة, خطوة …خطوتان ….مئة يكون أمام الصيدلة, مئتان يوقفه رصيف …بعدها ثلاثة  فيكون أمام المخبز, ألف يكون في قاعة الدرس, والإياب بعدٍّ عكسي !

لكنه منذ بدأ يفكّر بملامح صوتها صار يُخطئ العدَّ ويعود إلى غرفته محمولاً على  الأيدي أو على النقّالة.

قرض عقاري

•ديسمبر 12, 2009 • أترك تعليقا

 

لا أتذكّر اسمه الأول فذاكرة قلمي المرتزق لا تكترث بحفظ الأسماء التي تمر بها أمام باب المصرف العقاري المشرف على الساحة المركزية للمدينة, لكنني أتذكّر جيّداً ما وضعه تحت إشارة الرهن كشرط أساسي من شروط التسليف المتعارف عليها بين المصارف.

من خبرتي في كتابة الطلبات التي يتقدّم بها المدانون للمصرف صرت أستطيع تقدير قيمة القرض – والتي تتناسب مع قيمة العقار أو الملك المرهون- لكن العقار كان فريداً هذه المرّة إلى درجة دفعت بإدارة المصرف إلى تشكيل لجنة خاصة للكشف على العقار وتقدير المال الذي ستُقرضه مقابل الفائدة المركّبة التصاعدية المتعارف عليها.

لم أتمالك فضولي فلحقت باللجنة- مخالفاً بذلك كل القوانين- إلى الجهة الجنوبية من المدينة حيث يقبع العقار بانتظار إشارة الرهن.

كانت منطقة عقارية عجيبة! يتميز فيها العقار عن الآخر بلوح حجري أبيض منقوش عليه بلغة الحفر التي يتقنها الإزميل وبأحرف سوداء أسماء وتواريخ تحرس العقار برهبة الصمت.

لست أتذكّراسم المُدان – كما أسلفت- لكنني أتذكّر اسم أبيه الذي كان منقوشاً على أوراق المصرف وعلى حجر أبيض مع تاريخ للميلاد والوفاة.

 

 

فرهاد حسو

10-2-2008

ملل

•أكتوبر 23, 2009 • تعليق واحد

استطاع من خلال زجاج النافذة النظيف أن يرى كل قطرة هطلت تلك الظهيرة, كما استطاع أن يلعنها واحدة تلو الأخرى. حين التفت إلى دفتره الذي كان يحفظ كل اللعنات التي تفوّه بها وكتبها وجد نفسه وحيداًعلى مقعد بجوار نافذة لم تعد مفاصلها تنفّذ أوامر الدوران. إثر اتصال طارئ أسرعت ممرضتان إلى غرفة العناية المشدّدة وكذلك فعل الطبيب الذي كان كل اهتمامه تشغيلُ الجهاز الذي يولّد الهواء لمن لم تعد رئته تستجيب للهواء الذي يتنفّسه الناّس في الشارع أو في الحديقة. الطبيب الثاني الذي التحق بفريق العناية المركّزة كان شعره مبتلاً بمطر وليد وكان لايزال يحاول فهم ما يجري في الغرفة التي انقطع تيار الكهرباء فيها عن كل ما من شأنه التدخّل في إعادة الحياة لمن يستلقي على السرير الذي يعمل أيضاً على الكهرباء. في الجنون الذي خلّفه مطر تلك الظهيرة تداخلت إشارات المرور ولم تعد السيّارات تستجيب لنداء سيارة الإسعاف المستغيثة ولم يفسح أحد الطريق لحياة ذلك الراقد في سيارة النجاة. كان الممرّض يراقب الطريق وهو يضع أنبوبة الهواء أمام أنف المريض وفمه وفي الوقت ذاته يراقب فتاةً تشارك المطردموعه و واضعة سمّاعة الهاتف على خدها دون أن تتكلّم! من ذا الذي ألهب فؤادها فتذكّرته في هذا المطر؟ “يبدو أن المطر لا يقدر على إطفاء حرائق هذه المدينة! كان صوت سيارة الإسعاف وصوت الهاتف وهو يرن في جيب المريض وصوت السائق الذي لم يتوقف عن الشتم ولعن وجه المطر مزعجاً إلى درجة دفعت بالمريض إلى التوقف عن التنفس وبالممرّض إلى الإجابة على هاتف المريض بجملة واحدة”لا تطلبوا هذا الرقم مرّة أخرى…. لقد مات”, ثم عاد إلى مراقبة الفتاة من جديد فوجدها منهارة على الأرض والمطر يلعن وجه الأرقام التي ملّت طلب الرقم ذاته كل يوم….

قانون رقم مدار

•أكتوبر 6, 2009 • تعليقات

وقفت على مسافة – تخضع لقانون المقام – من باب المقهى لتسأل زوار الشاي والقهوة في ذلك الصباح الباكر عن حاجنهم للخبزمخبّئة تسوّلها خلف عمل يقتضي منها الوقوف طويلاً في الرتل أمام نافذة المخبز التي لاتتفرّق بين كبير وصغير.
كان يبدو من تقوّس عظام ساقيها- الذي لم يستطع الثوب المنتمي إلى لون عمرها الحالك إخفاء تعبهما – أنها لم تتوقف عن جلب الخبز لمن لا يحب الوقوف طويلاً في رتل الفرن منذ نصف قرن.
جلس إلى طاولة إعتادت أخذ جالسيها إلى مدارات الهروب من صخب الشارع الذي يمتد خلف الباب الذي يفصل الثرثرة عن الصمت لكنها تبقى مدارات, كل ذكرى يهرب منها تعود لتطارده على المدار العاشر أو الألف!
لا يحتاج إلى خبزٍ فعائلة المشردين التي ينتمي إليها تجتمع بلا مواعيد في مطاعم العزلة أو أمام حوانيت الوجبات السريعة الباردة كشهيتهم.
كانت لا تزال تبحث في عيون الجالسين عمن يريد شراء الخبزعندما خرج ووضع في يدها قيمة رطلين من الخبز ثم مضى واضعاً يديه خلف ظهره هارباً من مدار جديد رسمته له تلك العجوز الواقفة على مسافة لا تخضع لأي قانون.

قف …من أنت؟

•اغسطس 1, 2009 • تعليقات

 

 لم يمارس رياضته الصباحية ذلك اليوم  فقد كان متعباً جداً, ولم يتابع برنامجه الصباحي أيضاً لأن المنبه كان نائماً وربما كان مستيقظاً ولم يجد في نفسه القدرة على الصراخ.

ملأ إبريق الشاي ووضعه على المشع لكن الغاز كان قد نفد, رمى الإبريق في حوض الغسيل فتناثر زجاج قدح مهمل في كل أنحاء المطبخ, ترك كل شيء خلفه وتوجّه إلى خزانة الثياب ليرتدي ثيابه على خيبته ويغادر البيت الملعون.

على مفرق الحي وقف ينتظر حافلة المصنع لكنها لم تأتي أو ربما كانت قد مرت ولم تجده فغادرت.

مرّ بزاوية الحديقة ليشتري فنجان قهوة يلعن به وجه الشاي لكن البائع كان غائباً – على غير عادته – ذلك الصباح.

مع صمته كان ثمة طفلان يعبران الشارع نحو طريق المدرسة, لم يتأخر عن مدرسته أبداً رغم جنون الطريق الطويل بين بيته ومدرسته في تلك الأزمنة التي كانت فيها المدارس نادرة كفرح هذه الأيام. تذكّر حادثتين أو ثلاثة من تلك الأيام وعبرت ذاكرتَهُ بعض الأسماء, كان لايزال يستحضر الوجوه المقترنة بالألقاب حين قفزت بعض القطرات بفضول على سور الحديقة, بعضهن نجحن في الميلان نحوالحديقة والأخريات سقطن على الرصيف وتجمّعن في سيل نحو مجاري المدينة القذرة.

لملم حصّته من خيبة ذلك اليوم وعاد إلى البيت ليراقب المطر من خلف نافذته التي تطل على رصيف ومصباح وشجرة. أسدل الستارة  في محاولة للدخول في غيبوبة نوم

ينسيه نهاره البائس لكن صراخ القطرات وضجيج السيول أفسدا عليه محولته الأخيرة بالهروب.

رمى الغطاء أرضاً ونهض متوجّهاً نحو المطبخ المفروش بالزجاج المحطم لكنه لم يجد المطبخ بل وجد الحارس على باب المهجع يصرخ ” قف….من أنت؟” ويكررها ثلاث مرات ويلقّم بندقيته.

 

 

مقصلة الروح

•يوليو 25, 2009 • تعليق واحد

تجلس عند الأصيل في غرفتها, تُخرج الرسائل من صندوق حبسها وتضعها على الطاولة دون أن تقرأ منها أي حرف. تنهض لتراقب الشمس من خلف زجاج حياديّ كشجرالزيتون المنتشر على مدرّجات الجبل الذي يبدو أقرب إلى هضبة بعد أن فقد الناس ثقتهم به كملجأ.
حين تكون الشمس في طريقها إلى النوم على سرير الأصيل يكون هو عائداً من مكتبه وفي يده كتب لا يستطيع قراءة أي صفحة فيها مهما كان محيطه هادئاَ ومناسباً للقراءة. لم تعد الطاولة تغريه بالقراءة, لم يعد الشعر يعني له شيئاَ, لم تعد العصافير تطير من سطر إلى سطر ولا الجبال تولد من الصفحات البيضاء, لم يعد موقف الحافلة مرصداً للإشتياق ولا الظل صديق المسير الطويل في شوارع المدينة المنبسطة كفرحه.
من غرفتها ومن خلف النافذة تُلقي بأسئلتها لأشجار الزيتون فتتساقط الحبّات دون جواب مقنع.
على الطريق المؤدّي إلى بيته يتساءل عن السبب الذي جعلهما يبتعدان كل هذا البعد فلا تعجبه الأجوبة فيركلها لتصطدم بالأحجار المتناثرة هنا وهناك لأجوبة سبقت أجوبته ذات عبور.
تمدّ ّيدها لتغطي خيبة أسئلتها بالستارةوتعود إلى السريرلتحرق الأوراق بنظرات خائبة كالزجاج الذي منعته الستارة رؤية الطاولة والأوراق وبضع قطع خشبية عشقها منذ زيارتها الأولى للغرفة.
يستلقي على سرير خيبته ويقرأ رسالتهاالأخيرة للمرة الألف ليتيقّن من جملة كانت قد كتبتها ذات غضب – ربما- محاولاً إيجاد منفذ للنجاة من حريق تلك الحروف, لكنه في كل مرّة كان يفشل في الهروب من جملة” تستطيع استعادة رسائلك قبل أن تسافر”.
لماذا يستعيدها؟ ألم يكتبها لها؟ ألا يزن الشوق الذي في الحروف قنطار ألم؟ أفي الغروب الذي نقله إلى الورق أنثى غيرها؟
عامان ولم يتحقق ما كتبَته في السطر الأخير ولم يلتق بها على مسؤولية الصدفة وليس ثمة أمل برسالة أخيرة, عامان وهولا يستطيع القراءة, وعامان ولا تستطيع هي الأخرى القراءة.

•يوليو 4, 2009 • تعليقات

حافّة

على حافة الأربعين عاماً يقف مترددّاً مابين المضيّ في محاولة آخرى أو الاقتناع بمصيره الذي رسمته ريشات اللهفة للوحة حبًّ.

على حافّة سطح البيت يقف وعلى مقربة من الصفيحتين اللتين تحدّدان اتجاه الرياح يقف كل يوم مادًّ ذراعيه ومتوجّهاً نحو الغرب مع حنين خفيّ للشِّمال.

السنوات أيام عاهرة وأخرى طاهرة والشتم متلازمة مع كل أيامه, يشتم فرحته التي لا يصدّق أنها ما تزال فرحةحقيقية, ويشتم حزنه لأنه ذكرٌ يطارد فرحته الأنثى.

الريح وجع السِّنين, لطيف للذاكرة, عاقٌ في اللحظة…..لكنه صديقٌ.

على حافة الأربعين وعلى حافة السّطح وقف للمرّة الأخيرة ليخاطب كل العيون التي أحبَّ. كان خطابه نزيفاً لاعترافات بسعادة جرت جداولها عبر بساتين روحه, لم ينسَ أي تفصيلٍ مضى…الأمسيات…قصائد الشِّعر… قصائد الشوارع الطويلة…أبيات الصمت والتأمل…حركة القطارات …همزات الوصل بين اللقاءات المتباعدة…شدّات الاشتياق ودوران الحروف حول تعلّقه بخصلات الوداع آخر الليل.

لكل عين أهدى صورة وكثيرة كانت صوره وكثير كان وجعه وهو ينتزع الذكريات من قلبه وينشرها لعقوق الريح.

بعد دورانين أغلقت الاتجاهات أبوابها فسكنت الرياح وفقدت صوره ألوانها تحت أشعة الشمس. لوهلة وجد نفسه مضحكاً على سطح بيته وهو في الأربعين.

لم يعد يقف على السطح بعد تلك المحاولة ولم يعد في الأربعين, بل عاد إلى العشرين وعلّق صورتين لعاهرتين يائستين على حائط في غرفته ولم يعد يغادرها أبداً.

 

 

 

 

عبر الهاتف

•أبريل 12, 2009 • تعليقات

   
  أعتادت أن تجيب على هاتفها النقال وتقف قرب النافذة تسمع صوته فتحلّق عبر الصوت وعبر المشهد الذي يطل على طريق مسفلت إلى فضاءات لا يدركها سوى الخيال.

لديها هاتفان إن تعطل احدهما تستخدم الآخر حتى لا تنقطع عن صوته, أحدهما معطلٌ الآن وموضوع على الطاولة المجاورة للباب, والآخر في يدها.

-   كيف حالك, بخير؟ لم أنم البارحة كنت أفكر بالكلام الذي قلته, أكنت تعنيه حقاً, لماذا كل هذا القسوة؟ ألست تدري أني لا أرى في الكون سواك, ألا تدري أن كل شيء دونك عدم, أتحتاج إلى براهين كي تصدق أنني متعلقة بك إلى درجة الهوس, ماذا تريد أكثر؟ قل لي, لماذ تصمت دائماً؟ لا تقل أن التغطية ضعيفة في المكان الذي تقف فيه.

أثقلت عليك, أعلم ذلك لكنك لو تدري كيف تمضي الليالي حين تستفيق الأفكار المزعجة, ليلة أراك تتقدم لخطبتي وأهلي يرفضونك وأراك تغادر ولا تعود, أتوسل إليك كي تعود لكنك تُعرض قائلاً ” لن أكرر الطلب “, أأهون عليكَ؟ ماذنبي أنا, هم يفعلون ما يريدون ولا يكترثون بما قد يحدث بعدها, أموت أحيا, أرفض أرضى, كله سيان.

أما زلت تسمعني؟ دوماً تصمت حين أتكلم عن خوفي وعن أفكار الليل التي تداهم انكساري في غرفتي التي تشغل كل فراغاتها.

نعم سأكمل… وليلة أراك تعترض على طريقة معاملتي لك, أتجد في الشوق معنى غير الاشتياق؟ أنا بكل صراحة أشتاق لك وحين أشتاق لا أحتمل غرفتي ولا أحتمل الزمن الذي يفصل بين طلب الرقم وصوتك- رغم أنك تتأخر في الإجابة أحياناً- نعم أشتاق لك فلماذا تتهمني أنني أحاصر أوقاتك الخاصة, أنظر إلي ليس لي حياة خاصة, أنت تشغل كل لحظة منها, حين أستمع إلى أغنية, حين يهطل المطر, حين تطلع الشمس, حين تغيب, حين أفتح النافذة, حين أغلقها, حين يرن هاتف ما في الشارع, حين يمر النسيم. من يحاصر من؟ قل لي!

أراك في ليالي أخرى متجهماُ أسألك ما بك فلا تجيب, نبقى صامتين طويلاً لتنهي الصمت بكلمة “وداعاَ”, بكل اشمئزاز تطرحها كأنها قذارة أقلقت مضجعك!

 أهي سهلة إلى هذه الدرجة, ألا تترك خلفها ألف مذبحة, ألا تعلّق الروح من كاحلها.

 وليالي أخرى أراك قادماً بكل الشوق الذي أتوقعه منك, تسلي وحدتي , تقوي عزيمتي, تجعلني أثق بالقدر أكثر وفي أحيان ٍ كثيرة أشفق على القدر من ضعفه أمام قوّتنا, من جبنه أمام شجاعتنا. غريبٌ أنت, قوي دائماً, تجعلني أبكي تجعلني أضحك تجعلني أصمت تجعلني أغني, كيف تعلمت كل هذه الأشياء؟ كيف تتحكم بمن أمامك؟

فيما كانت تعاتبه كان الهاتف الذي على الطاولة المجاورة للباب يرن, والهاتف الذي في يدها مطفأ تماماً.

                                                                                                                   فرهاد حسو

                                                                                                          

 

حذاء

•مارس 21, 2009 • تعليق واحد

ليتها قصة فقط…إنها ألم

حين يخف الألم قليلاً سأعرض الحكاية

الأصابع التسعة

•يناير 31, 2009 • أترك تعليقا

أمسك لوح الخشب بأصابعه التسعة وراح يدفع باللوح نحو المنشار الذي كان يدور بسرعة الموت وبقوة الكهرباء.

كل سن ينتزع حصته تبعاً لقدرته وقدمه , باستثناء الأسنان الثلمة كانت تترك حصتها للأسنان التي حظيت بمرور المبرد عليها قبل الشروع في القص.

في الوقت  الذي كانت فيه الأصابع التسعة تثأر بجنون من لوح الخشب لصالح الإصبع العاشر , كان المجرم الحقيقي يدور بسرعة الموت وبقوة الكهرباء أمام عين النجّار وأصابعه التسعة.