أعتادت أن تجيب على هاتفها النقال وتقف قرب النافذة تسمع صوته فتحلّق عبر الصوت وعبر المشهد الذي يطل على طريق مسفلت إلى فضاءات لا يدركها سوى الخيال.
لديها هاتفان إن تعطل احدهما تستخدم الآخر حتى لا تنقطع عن صوته, أحدهما معطلٌ الآن وموضوع على الطاولة المجاورة للباب, والآخر في يدها.
- كيف حالك, بخير؟ لم أنم البارحة كنت أفكر بالكلام الذي قلته, أكنت تعنيه حقاً, لماذا كل هذا القسوة؟ ألست تدري أني لا أرى في الكون سواك, ألا تدري أن كل شيء دونك عدم, أتحتاج إلى براهين كي تصدق أنني متعلقة بك إلى درجة الهوس, ماذا تريد أكثر؟ قل لي, لماذ تصمت دائماً؟ لا تقل أن التغطية ضعيفة في المكان الذي تقف فيه.
أثقلت عليك, أعلم ذلك لكنك لو تدري كيف تمضي الليالي حين تستفيق الأفكار المزعجة, ليلة أراك تتقدم لخطبتي وأهلي يرفضونك وأراك تغادر ولا تعود, أتوسل إليك كي تعود لكنك تُعرض قائلاً ” لن أكرر الطلب “, أأهون عليكَ؟ ماذنبي أنا, هم يفعلون ما يريدون ولا يكترثون بما قد يحدث بعدها, أموت أحيا, أرفض أرضى, كله سيان.
أما زلت تسمعني؟ دوماً تصمت حين أتكلم عن خوفي وعن أفكار الليل التي تداهم انكساري في غرفتي التي تشغل كل فراغاتها.
نعم سأكمل… وليلة أراك تعترض على طريقة معاملتي لك, أتجد في الشوق معنى غير الاشتياق؟ أنا بكل صراحة أشتاق لك وحين أشتاق لا أحتمل غرفتي ولا أحتمل الزمن الذي يفصل بين طلب الرقم وصوتك- رغم أنك تتأخر في الإجابة أحياناً- نعم أشتاق لك فلماذا تتهمني أنني أحاصر أوقاتك الخاصة, أنظر إلي ليس لي حياة خاصة, أنت تشغل كل لحظة منها, حين أستمع إلى أغنية, حين يهطل المطر, حين تطلع الشمس, حين تغيب, حين أفتح النافذة, حين أغلقها, حين يرن هاتف ما في الشارع, حين يمر النسيم. من يحاصر من؟ قل لي!
أراك في ليالي أخرى متجهماُ أسألك ما بك فلا تجيب, نبقى صامتين طويلاً لتنهي الصمت بكلمة “وداعاَ”, بكل اشمئزاز تطرحها كأنها قذارة أقلقت مضجعك!
أهي سهلة إلى هذه الدرجة, ألا تترك خلفها ألف مذبحة, ألا تعلّق الروح من كاحلها.
وليالي أخرى أراك قادماً بكل الشوق الذي أتوقعه منك, تسلي وحدتي , تقوي عزيمتي, تجعلني أثق بالقدر أكثر وفي أحيان ٍ كثيرة أشفق على القدر من ضعفه أمام قوّتنا, من جبنه أمام شجاعتنا. غريبٌ أنت, قوي دائماً, تجعلني أبكي تجعلني أضحك تجعلني أصمت تجعلني أغني, كيف تعلمت كل هذه الأشياء؟ كيف تتحكم بمن أمامك؟
فيما كانت تعاتبه كان الهاتف الذي على الطاولة المجاورة للباب يرن, والهاتف الذي في يدها مطفأ تماماً.
فرهاد حسو