ماذا بعد الحصان…..؟

 

ماذا بعد الحصان ؟ من سيجر تلك العربة النائمة أمام باب البيت ؟ من سيحمل للناس الخضار كل صباح ؟ مع من سيمشي ( سمّك) كل فجر؟

ماذا تريد الأيام من (سمّك) ؟…..

مع  أول فجر بعد موت الحصان أخذ (سمّك) مكان حصانه وراح يجر العربة إلى السوق الندي برطوبة الخضار التي تأتي من المزارع القريبة من البلدة ,لا صوت يٍٍُِسمع في تلك البقعة سوى طقطقات الصناديق الخشبية المصفوفة  فوق بعضها البعض, صناديق تحمل ما يشتهيه الناس من الخضار ,أفي الكون مشهد أجمل من كرات البطيخ المرتبة على قارعة الطريق المؤدي إلى السوق؟

(سمّك) يلعب دور الأب لأولاده الثمانية ودور الحصان لعربته الخشبية المتهالكة ,الأولاد يكبرون والعربة تتهالك والخضار تبدو في كل موسم أشهى وأشهى .

كل الناس في السوق يعرفون (سمّك) , ويبحثون عن عربته كي تنقل لهم حاجاتهم إلى المنازل, كما أنهم يعرفون مجال الكلمات التي ينطق بها والتي تدور في مجملها حول محور الخضار والعربة والأغراض التي يحملها للناس, وخارج هذه الدائرة تنعدم المواضيع والكلمات.

(سمّك )يقف بعربته على باب الستين وأولاده يقفون بقاماتهم الطويلة أمامه لكنهم ممتعضون من والدهم الذي لم يعد يليق به موقع الحصان!

الأبناء يبحثون عن أماكن تليق بقاماتهم والناس في تلك البلدة لا يكترثون كثيراً بمن يحمل لهم حاجاتهم!

” لا بدّ أن ترتاح ” قالها الأولاد في جملة واحدة لوالدهم (سمّك) , كانت الجملة قاسية عليه لكنه تفهّم موقف الأولاد فقرر أن يرتاح – ليس لراحة جسده وإنما لراحة الأولاد الذين لم تعد مهنة والدهم تناسب قاماتهم-.

الشوارع لا تزال نديّة بندى الأوراق التي تتساقط من صناديق الفاكهة  على امتداد البيوت المنتشرة على طول الطريق المفضي إلى الحياة والأيام الخمسة التي مرت على (سمّك ), لا أحد يستطيع أن يقدّر ثقلها,كل صباح يخرج  ليتفقد المسامير الموزعة في

جسد العربة ,يتلفت يميناً ويساراً ثم يأخذ مكانه في مقدمة العربة للحظة قيل أن يضبطه أحد الأولاد ثم يعود مسرعاً ألى غرفته ليستلقي على ظهره وهو يفكر بالصباحات التي كان يخرج فيها إلى السوق وأولاده صغار,لم تكن هيأته مخجلة لأولاده الصغار الذين كانوا يطلبون كل صباح الخبز والثياب والأقلام.

شهر و(سمّك) على حاله يتفقّد كل صباح عربته ويعود مسرعاً إلى غرفته قبل أن يضبطه أحدهم بجرمه الذي مارسه طيلة تلك السنوات.

هذا الصباح لم يخرج (سمّك) إلى عربته لكن أهل القرية أخرجوه كي يصلّوا عليه ويحملوه  على عربته المتهالكة إلى المقبرة.

 

 فرهاد حسو

~ بواسطة فرهاد حسّو على أكتوبر 25, 2008.

اترك رد