جفاف

 

هاقد مرّالنصف الأول من الشتاء ولم تبتل الشوارع بماء المطر بعد, غبار في كل مكان,غبار على الأرصفة, على الشجر, وعلى القلوب. آخر ابتسامة رصدت على وجه بائع الذرة كانت قبل العيد بستة أيام, لا العشاق يشترون الذرة المشوية ولا العابرون, الجمر يحترق بلا جدوى وعرائس الذرة تتناقل البشرى بحياة أطول, العشّاق في فوضى غبار لم يفهم بعد مزاجية الريح واتجاهاته.

هاقد مرّ النصف الأول من الليل وأنا ما زلت أرُهف السمع ترقّباً لمطر قد يغامر بالسقوط على أرض لا تحترم نبل النزيف الذي يتساقط من السماء كمطر, ونبل النزيف الذي يتقطّر من الروح كدمعة في آخر ليل.

لا أدري لماذا تذكرت – وأنا أقرّب سريري من الشباك- وجهها في تلك الأمسية التي أحياها مغنًّ ينزف لحناً. كان وجهها حيادياً- كالغبار- لا تعرف  ما يريحه, أيريحه العبوس أم البشاشة؟

إذاً قد مر النصف الأول من الليل والنصف الأول من الشتاء وأنا ما زلت أنتظر المطر وأتذكّر وجهها وأقول : كيف تبتسم وهي تُزف لغيري؟

لحظة…هاقد سقطت قطرة…وثمة واحدة أخرى تسقط…وإنني أسمع صوت انسياب القطرة الثالثة وهي معلقة على ارتفاع شجرة, هاقد اقتربت أكثر فأكثرمن الأرض…الآن…نعم صاروا ثلاثة, والرابعة تبدو على عجلة وتريد اللحاق بأخواتها والخامسة مراهقة طائشة والسادسة غيورة وحمقاء.

أنا متأكد أن بائع الذرة يلملم جمراته الآن ويغطّي كومة عرائس الذرة لأن لا يصيبها عهر القطرات فتفسد بناته وتكسدن.

مادامت السماء أمطرت فلا بد أن يلين قلبها ويرق وجهها لتعبي وانتظاري ولا بد أن تعيد إليهم الخواتم التي قيّدت أصابعها وروحي وتلقيها على وجوههم المقيتة.

متى يأتي الفجر لأرى المطر؟ متى يأتي لأستعيد جسدي من السرير, سأتسلّى بعدِّ القطرات حتى أنام, إنها ليلة طويلة!   ..ثمانية…تسعة…عشرة .
بعشرة …عشرة…. تعالوا رطل الجزر بعشرة….جزر …جزر….

من هذا المزعج الذي يوقظ الناس ليشتروا الجزر؟…يا إلهي  أنه الصباح …شكراً لك يا بائع الجزر أدام الله صوتك لقد استيقظت…نعم  أنا مستيقظ الآن وسأخرج لأرى الشارع المبتل.

لم يكن الشارع مبتلاً كانت ثمة بقعة مبتلة تحت شباكي وكانت لا تزال القطرات تنهمر من سطح جاري الذي يطوف الماء عن خزانه كل ليلة.

فرهاد حسو

حلب27/12/2008

 

 

~ بواسطة فرهاد حسّو على ديسمبر 28, 2008.

4 تعليقات to “جفاف”

  1. فرهاد خاطرة اكثر من رائعة

    دائما تسحرني بتعبيرك وبافكارك

    ان شاء الله تتحقق كل امنياتك واحلامك يارب

  2. رائعة عزيزي …

    ومطر …

    :) … تحياتي عزيزي …

  3. مخيلتك منجم افكار نفيسة

    لكل احترامي

  4. شكراًجلال …ربما المنجم هو ذلك الباب الذي أفتحه كل صباح على أمل أن أجد خلفه مطر يروي جفاف الروح….اليوم فتحت الباب وأنا على أمل أن أجد المطر…لكن جاري-سامحه الله- لم يصلح خزان الماء بعد , رغم ذلك سأفتح كل صباح باب البيت وسأنتظر المطر…فانتظروه معي…
    حبي لكم ولجاري الذي لايزال يمد روحي بالأمل…

اترك رد