لم يفاجئه قرار المدير فخرج صامتاً دون أن يفكر في الفتاة التي ستحل محله كالعادة بسبب “الديكور”!
أدار ظهره لباب الشركة المطلي حديثاً كعجوز متصابية ,تأمل الإزدحام لبرهة ثم سلك طريقاً فرعياً باتجاه البيت المرمي خلف ظهر الجبل الذي صار أشبه ببرج شعبي المسكن .
بيته مغارتان وصالون! أزاح الباب الذي لا يخضع لقانون الدوران حول المفاصل ,دخل الكهف واستلقى على ظهره استعداداً لنوم عميق,بدأت كوابيس البحث عن عمل تتناوب بالزحف على أحلامه القريبة المدى,فاختصر ساعات النوم على النصف.
شهر كامل من العمر انتظم إلى صف الشهور الأخرى التي قضاها وهو يبحث عن عمل وما تبقّى من الراتب الأخير لا يكفي ثمناً لوجبة فطور.
عدة أيام وهو يتأمل من خلف الزجاج صحن الكنافة, يلاحق بعينيه العجينة الشعرية التي تتداخل فيما بينهاعلى سطح من الجبن المذاب المحلّى بقطر السكر المركّز.
المدينة تتوسّع بطريقة شبه سرطانية والدكاكين تنسلخ عن ديكورها لتدخل في الشكل شبه الموحد لرتابةالواجهات الزجاجية المتكلفة بأناقة زائدة .
فكر مليّاً في المدينة والأرصفة المجددة والكنافة فحمل ما استطاع حمله من الكتب واتجه نحو الساحة المركزية في المدينة المزدحمة بكل أنواع البشر ,بسط كتبه على قارعة الطريق وصالب يديه كحارس صامت أمام معبد وثني بانتظار من يسأل عن كتاب ما ولو مجاملة!
كان يتأمل الكتب المستلقية بهوان وخجل وهو يستذكر الحوادث التي ارتبطت باقتنائها,ديوان ” أحمد فؤاد نجم” اقتناه في سنته الجامعية الثانية,ورواية “ذاكرة الجسد” أهديت له بعد أمسية شعرية أحياها بصوته,و”حب في زمن الكوليرا” استعارها من صديق قضى نحبه في حادث سير,وحكايات وأصدقاء وليالي ممطرة وابتسامات ربيعية .
الناس يمرون من هنا ولا أحد يجهد عضلة عينه لقراءة ملامح جوعه ,سائقون وسائحون ورجال شرطة وطلاب ونساء وعربات حمير ومواكب ,كلهم يمرون ,لكنهم لا يكترثون “لبسطة” الكتب المستعملة الملقاة للبيع.
ظلّ ” سوز” أمام مكتبته المبسّطة وهو يلاحق بعينيه ظلال الجوامد والعابرين,حتى غطى ظلُُ ُ مجموعة كتب ,لاحق “سوز ” مصدر الظل بعينيه المتعبتين ,كان رجلاً في الخمسين استوقفه كتاب “العطر” “لباتريك زوزكيند”.
- بكم هذا الكتاب؟
- بخمسين.
- كثير! إنه مستعمل.
- صحيح,لكن حروفه لاتزال واضحة.
- مع ذلك كثير,هل تبيعها بعشرين؟
- لا أستطيع ,فصحن الكنافة بثلاثين؟
- أي كنافة!
- دعك,هل تشتريها بثلاثين؟
- لا,إنها لا تساوي ثلاثين.
- أرجوك سيدي,خذها بثلاثين وسأعطيك معها مجموعة قصصية رائعة ل”يوردان يوفكوف”.
- حسناً هاتهما.
بسط يده ليقبض ثمن حياة الكتابين وعيناه تشعان شوقاً للكنافة, لملم من نجا من الكتب وأقفل راجعاًإلى دكان الكنافة الذي كان مغلقاً لأسباب تتعلّق بتغيير “الديكور”.
فرهاد حسو
أيار2006